أيقونات صفحات التواصل الإجتماعي

اعلان




كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يحبُّ أن يُعْلِن شهادة التوحيد في كل يوم أكثر من مرَّة، وفي أكثر من مناسبة؛ وهذا لأن الغرض الرئيسي من بعثته صلى الله عليه وسلم، وكذلك الأنبياء من قبله، هو توحيد الله عز وجل، قال تعالى: {وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلاَّ نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لاَ إِلَهَ إِلاَّ أَنَا فَاعْبُدُونِ} [الأنبياء:25]؛ لذلك سنجد أن كثيرًا من أذكاره وأدعيته صلى الله عليه وسلم كانت مهتمَّة بإبراز مسألة التوحيد وإعلانها..

ومن ذلك أذكار الصباح والمساء؛ فقد روى أبو داود -وقال الألباني: صحيح- عَنْ أَبِي عَيَّاشٍ رضي الله عنه، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم، قَالَ: «مَنْ قَالَ إِذَا أَصْبَحَ: لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ وَحْدَهُ، لاَ شَرِيكَ لَهُ، لَهُ الْمُلْكُ، وَلَهُ الْحَمْدُ، وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ. كَانَ لَهُ عِدْلَ رَقَبَةٍ مِنْ وَلَدِ إِسْمَاعِيلَ، وَكُتِبَ لَهُ عَشْرُ حَسَنَاتٍ، وَحُطَّ عَنْهُ عَشْرُ سَيِّئَاتٍ، وَرُفِعَ لَهُ عَشْرُ دَرَجَاتٍ، وَكَانَ فِي حِرْزٍ مِنَ الشَّيْطَانِ حَتَّى يُمْسِيَ، وَإِنْ قَالَهَا إِذَا أَمْسَى كَانَ لَهُ مِثْلُ ذَلِكَ حَتَّى يُصْبِحَ».

والواقع أن العطاء الربَّاني لمن قال هذا النصَّ القصير غير مُتَخَيَّل! فسُنَّة الرسول صلى الله عليه وسلم هو قول هذه الكلمات مرَّة واحدة في الصباح، وأخرى في المساء، وهذا يحتاج إلى أقلِّ من دقيقة؛ ومع ذلك فأجره عظيم للغاية، ويكفي أنه يعدل عتق رقبة، ولم يكتفِ رسول الله صلى الله عليه وسلم بذلك أنما ذكر أنها ليست مجرَّد رقبة عادية، وإنما من ولد إسماعيل عليه السلام، وهذا يدلُّ على زيادة شرفها، وبالتالي زيادة ثمنها؛ ومن ثَمَّ أجرها، وأضاف إلى ذلك أجورًا أخرى كما جاء في الحديث..

وكلُّ ذلك ليُشَجِّع المسلمين على ترديد شهادة التوحيد يوميًّا، وقد روى أبو داود -وقال الألباني: صحيح- عَنْ مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ رضي الله عنه، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: «مَنْ كَانَ آخِرُ كَلاَمِهِ لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ دَخَلَ الْجَنَّةَ». فلعلَّ هذه الشهادة التي نُعلنها صباحًا ومساءً تكون آخر كلماتنا في الدنيا؛ فنُفلح فَلاَحًا لا شقاء بعده!
 ولا تنسوا شعارنا قول الله تعالى: {وَإِنْ تُطِيعُوهُ تَهْتَدُوا} [النور:54].

اذكار




بسم الله والحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله صلى الله عليه وسلم وعلى آله وصحبه أجمعين.

1- عن عبدالله بن خبيب رضي الله عنه قال: خرجْنا في ليلة مطر، وظلمة شديدة، نطلب رسول الله صلى الله عليه وسلم ليُصلي لنا، فأدركناه، فقال: «أصليتم؟»، فلم أقل شيئًا، فقال: «قل»، فلم أقل شيئًا، ثم قال: «قل»، فلم أقل شيئًا، ثم قال: «قل»، فقلت: يا رسول الله، ما أقول؟ قال: «قل: {قُلْ هُوَ اللهُ أَحَدٌ}، والمَعُوذَتَيْنِ، حين تُمْسِي وحين تُصْبِحُ ثلاثَ مراتٍ، تَكْفِيكَ من كلِّ شيءٍ» (رواه أبو داود وحسنه الألباني).

2- عن عبدالله بن مسعود رضي الله عنه قال: كان نبي الله صلى الله عليه وسلم إذا أمسى قال: «أمسَينا وأمسى الملكُ لله والحمدُ لله، لا إله إلا اللهُ وحده لا شريك له»، قال: أراه قال فيهنَّ: «له الملكُ وله الحمدُ وهو على كلِّ شيءٍ قديرٌ. ربِّ أسألُك خيرَ ما في هذه الليلةِ وخيرَ ما بعدَها. وأعوذُ بك من شرِّ ما في هذه الليلةِ وشرِّ ما بعدَها. ربِّ أعوذُ بك من الكسلِ وسوءِ الكِبَرِ. ربِّ أعوذُ بك من عذابٍ في النار وعذابٍ في القبرِ»، وإذا أصبح قال ذلك أيضًا: «أصبحْنا وأصبح الملكُ لله»(رواه مسلم: [2723]).

3- عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يعلِّم أصحابه يقول: «إذا أصبحَ أحدُكم فليقل: اللَّهمَّ بِكَ أصبحنا وبِكَ أمسينا وبِكَ نحيا وبِكَ نموتُ وإليْكَ المصيرُ. وإذا أمسى فليقل: اللَّهمَّ بِكَ أمسينا وبِكَ أصبحنا وبِكَ نحيا وبِكَ نموتُ وإليْكَ النُّشورُ» (رواه الترمذي: [3391]، وصحَّحه الألباني).

4- عن عبدالرحمن بن أبزى رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقول إذا أصبح وإذا أمسى: «أصبَحْنا على فِطرةِ الإسلامِ، وعلى كَلِمةِ الإخلاصِ، وعلى دينِ نبيِّنا محمَّدٍ صلَّى اللَّهُ عليهِ وسلَّمَ، وعلى ملَّةِ أبينا إبراهيمَ حنيفًا مُسلِمًا وما كانَ منَ المشرِكينَ» رواه أحمد وصححه الأرناؤوط.

5- عن شداد بن أوس رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم: «سيِّدُ الاستِغفارِ أن تقولَ: اللَّهمَّ أنتَ ربِّي لا إلَهَ إلَّا أنتَ، خَلقتَني وأَنا عبدُكَ، وأَنا على عَهْدِكَ ووعدِكَ ما استطعتُ، أعوذُ بِكَ من شرِّ ما صنعتُ، أبوءُ لَكَ بنعمتِكَ عليَّ، وأبوءُ لَكَ بذنبي فاغفِر لي، فإنَّهُ لا يغفرُ الذُّنوبَ إلَّا أنتَ. قالَ: «ومَن قالَها منَ النَّهارِ موقنًا بِها فماتَ من يومِهِ قبلَ أن يُمْسيَ، فَهوَ من أَهْلِ الجنَّةِ. ومن قالَها منَ اللَّيلِ وَهوَ موقنٌ بِها فماتَ قبلَ أن يُصْبِحَ، فَهوَ من أَهْلِ الجنَّةِ» (رواهالبخاري: [6306]).

6- عن عبدالرحمن بن أبي بكرة أنه قال لأبيه: يا أبتِ، إني أسمعك تدعو كل غداة: "اللهم عافني في بدني، اللهم عافني في سمعي، اللهمَّ عافني في بصري، لا إله إلا أنت"، تعيدها ثلاثًا، حين تصبح، وثلاثًا حين تمسي! وتقول: "اللهمَّ إني أعوذ بك من الكفر، والفقر، اللهمَّ إني أعوذ بك من عذاب القبر، لا إله إلا أنت"، تعيدها ثلاثًا حين تصبح، وثلاثًا حين تمسي، فتدعو بهن؟! فقال: "إني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يدعو بهنَّ؛ فأنا أحب أن أستنَّ بسنَّته" (رواه أبو داود وحسنه الألباني).

7- عن ابن عمر رضي الله عنهما قال: لم يكن رسول الله صلى الله عليه وسلم يدع هؤلاء الدعوات، حين يمسي، وحين يصبح: «اللهمَّ إني أسألُك العافيةَ في الدنيا والآخرةِ، اللهمَّ إني أسألك العفوَ والعافية في ديني ودنياي وأهلي ومالي، اللهمَّ استُرْ عوْرتي وآمِنْ رَوْعاتي، اللهمَّ احفَظْني من بين يديَّ ومِن خلْفي وعن يميني وعن شمالي ومن فوقي، وأعوذُ بعظَمتِك أن أُغتالَ مِن تَحتي» (رواه أبو داود وصححه الألباني).

8- عن أبي هريرة أن أبا بكر الصديق رضي الله عنه قال: يا رسول الله، مرْني بكلمات أقولهن إذا أصبحتُ وإذا أمسيتُ، قال: «قل: اللهم فاطر السموات والأرض، عالم الغيب والشهادة، رب كل شيء ومليكه، أشهد أن لا إله إلا أنت، أعوذ بك من شر نفسي، ومن شر الشيطان وشركه، قلها إذا أصبحتَ، وإذا أمسيتَ، وإذا أخذت مضجعك» (رواه أبو داود وصحَّحه الألباني).

9- عن عثمان بن عفان رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ما من عبد يقول في صباح كل يوم ومساء كل ليلة: بسمِ الله الذي لا يضر مع اسمه شيء في الأرض ولا في السماء، وهو السميع العليم، ثلاث مرات، فيضره شيء» (رواه الترمذي وصححه الألباني).

10- عن أبي سلام قال: مرَّ رجل في مسجد حمص، فقالوا: هذا خادم النبي صلى الله عليه وسلم، قال: فقمتُ إليه، فقلت: حدِّثني حديثًا سمعته من رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ما من عبد مسلم يقول حين يصبح وحين يمسي ثلاث مرات: رضيت بالله ربًّا، وبالإسلام دينًا، وبمحمد صلى الله عليه وسلم نبيًّا، إلا كان حقًّا على الله أن يرضيه يوم القيامة» (رواه أحمد وصححه الأرناؤوط).

11- عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لفاطمة رضي الله عنها: «ما يمنعك أن تسمعي ما أوصيكِ به؟! أن تقولي إذا أصبحتِ وإذا أمسيتِ: يا حي يا قيوم برحمتك أستغيث، أصلح لي شأني كله، ولا تكلني إلى نفسي طرفة عين أبدًا» (رواه ابن السني في عمل اليوم والليلة، وحسَّنه الألباني).

12- عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «مَن قال: لا إله إلا الله، وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد، وهو على كل شيء قدير، مَن قالها عشر مرات حين يُصبح كتَب له بها مائة حسنة، ومحا عنه بها مائة سيئة، وكانت له عدل رقبة، وحفظ بها يومئذٍ حتى يمسي، ومَن قال مثل ذلك حين يمسي، كان له مثل ذلك»  (رواه أحمد وصححه الأرناؤوط).

13- عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال: «من قال: لا إله إلا الله، وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد، وهو على كل شيء قدير، في يوم مائة مرة، كانت له عدل عشر رقاب، وكتبت له مائة حسنة، ومحيت عنه مائة سيئة، وكانت له حرزًا من الشيطان يومه ذلك حتى يُمسي، ولم يأتِ أحد بأفضل مما جاء به، إلا أحد عمل أكثر من ذلك» (متفق عليه).

14- عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من قال: حين يُصبح وحين يمسي: سبحان الله وبحمده، مائة مرة، لم يأت أحد يوم القيامة بأفضل مما جاء به، إلا أحد قال مثل ما قال أو زاد عليه» (رواه مسلم: [2692]).

15- عن ابن عباس عن جويرية رضي الله عنها أن النبي صلى الله عليه وسلم خرج من عندها بكرة حين صلى الصبح وهي في مسجدها، ثم رجع بعد أن أضحى وهي جالسة، فقال: «ما زلتِ على الحال التي فارقتُكِ عليها؟»، قالت: نعم. قال النبي صلى الله عليه وسلم: «لقد قلتُ بعدكِ أربعَ كلمات، ثلاث مرات، لو وزنتْ بما قلتِ منذ اليوم لوزنتهن: سبحان الله وبحمده، عدد خلقه، ورضا نفسه، وزنة عرشه، ومداد كلماته» (رواه مسلم: [2726]).

16- عن أم هانئ بنت أبي طالب رضي الله عنها قالت: مرَّ بي ذات يوم رسول الله صلى الله عليه وسلم فقلت: يا رسول الله، إني قد كبرتُ وضعفت، فمرني بعمل أعمله وأنا جالسة، قال: «سبحي الله مائة تسبيحة؛ فإنها تَعدل لك مائة رقبة تُعتقينها من ولد إسماعيل، واحمدي الله مائة تحميدة؛ فإنها تعدل لك مائة فرس مسرجة ملجَمة تَحملين عليها في سبيل الله، وكبِّري الله مائة تكبيرة؛ فإنها تعدل لك مائة بدنة مقلَّدة متقبَّلة، وهللي الله مائة تهليلة تملأ ما بين السماء والأرض، ولا يرفع يومئذٍ لأحد مثل عملك إلا أن يأتي بمثل ما أتيت به» (رواه أحمد وحسنه الألباني).

17- عن الأغر المزني رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «إنه ليُغان على قلبي، وإني لأستغفر الله في اليوم مائة مرة» (رواه مسلم: [2702])، قال العلماء: معنى ليغان على قلبي: المراد الفترات والغفلات عن الذِّكر الذي شأنه الدوام عليه، فإذا فتَر عنه أو غفل، عد ذلك ذنبًا واستغفر منه.

18- عن أبي صالح ذكوان السمان قال: سمعتُ رجلًا من أسلم قال: كنتُ جالسًا عند رسول الله صلى الله عليه وسلم، فجاء رجل من أصحابه، فقال: يا رسول الله، لدغتُ الليلة فلم أنم حتى أصبحتُ، قال: «ماذا؟»، قال: عقرب، قال: «أما إنك لو قلت حين أمسيتَ: أعوذ بكلمات الله التامات من شر ما خلق، لم تضرَّك إن شاء الله» (رواه أبو داود وصححه الألباني).

19- عن أبي مسعود البدري رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «الآيتان من آخر سورة البقرة، من قرأهما في ليلة كفَتاهُ» (متفق عليه).

20- عن جابر بن عبدالله رضي الله عنهما قال: "كان النبي صلى الله عليه وسلم لا ينام حتى يقرأ {الم . تَنْزِيلُ}السجدة، و{ تَبَارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ} (رواه أحمد والترمذي وصححه الألباني والأرناؤوط).

محمد بن علي بن جميل المطري

الذكر والدعاء - الأذكار









[18] عاقبة العقوق :

 عن العوام بن حوشب رضي الله عنه : قال : نزلت مرة حياً وإلى جانب ذلك الحي مقبرة فلما كان بعد العصر انشق منها قبر فخرج رجل رأسه رأس حمار وجسده جسد إنسان فنهق ثلاث نهقات ثم انطبق عليه القبر فإذا عجوز تغزل شعراً أو صوفاً فقالت امرأة : ترى تلك العجوز قلت : مالها . قالت : تلك أم هذا . قلت : وما كان قصته . قالت : كان يشرب الخمر فإذا راح تقول له أمه : يا بني اتق الله إلى متى تشرب هذه الخمر فيقول لها : إنما أنت تنهقين كما ينهق الحمار . قالت : فمات بعد العصر . قالت : فهو ينشق عنه القبر بعد العصر كل يوم فينهق ثلاث نهقات ثم ينطبق عليه القبر .

عاقبة العقوق







[17] قصة أويس القرني :

 تحدث رسول الله  عن أويس القرني دون أن يراه ، فقال : إنه من أهل اليمن ، وإنه من بلدة قرن ، ومن قبيلة مراد ، مات أبوه ويعيش مع أمه وهو بها بار ، مرض بالبرص فدعا الله فشفاه ، وبقي من آثاره مثل الدرهم في ذراعيه ، وإنه لسيد التابعين ، ثم قال لعمر بن الخطاب ( إن استطعت أن يستغفر لك فافعل ) فكان عمر حين أصبح أميراً للمؤمنين يسأل حجاج بيت الله الحرام في مواسم الحج : أمنكم أويس القرني ؟ فيقولون : لا . فيقول : كيف تركتموه ؟ فيقولون دون أن يعرفوا منزلته : تركناه قليل المتاع ، رث الثياب . فيقول لهم : ويحكم لقد حدث عنه رسول الله إن استطعتم أن يستغفر لكم فافعلوا . وكان عمر في كل عام ينتظر أويساً . وتصادف مرة أن جاء مع حجاج اليمن ، فلقيه عمر ، فأراد أن يستوثق منه ، فسأله : ما اسمك ؟ قال : أويس . قال : من أي بلاد اليمن ؟ قال : من قرن . قال : من أي قبيلة فيها ؟ قال : من مراد . قال : كيف لأبوك ؟ قال : أما أبي فقد مات ولي أم تعيش معي . قال : وكيف حالك معها ؟ قال أويس : أرجو أن أكون بها باراً . قال : هل مرضت قبل ذلك ؟ قال : نعم ، مرضت بالبرص فدعوت الله فشفاني . قال : هل بقي من أثره من شيء ؟ قال : نعم ، في ذراعي أثره مثل الدرهم وكشف له عن ذراعه فلما رأى عمر ذلك اعتنقه وقال : أنت الذي حدث عنك رسول الله  . فاستغفر لي ! قال : أنا أستغفر لك يا أمير المؤمنين قال : بلى . وما زال عمر يلح عليه استغفر له . ثم سأل عمر أويس عن وجهته بعد موسم الحج . فقال : ( إني ذاهب إلى مرد من أهل اليمن إلى العراق . قال : أكتب إلى والي العراق عنك ؟ قال : أقسمت عليك يا أمير المؤمنين ألا تفعل . دعني أسير في غبراء الناس لا يؤبه لي .

قصة أويس القرني






[16] عاقبة الظلم :
 أ - خرج أحد الصيادين صبيحة يومه يطلب رزقاً حلالاً فرمى شبكته فلم يخرج شيئاً فأخذ يبتهل إلى الله فأولاده يصرخون جوعاً في بيته واقتربت الشمس من المغيب فرزقه الله سمكة ضخمة فحمد الله تعالى وأخذها مسروراً إلى بيته وإذا بملك قد خرج للنزهة فرآه فأحضره وعلم ما معه فأعجبته السمكة فأخذها عنوة وذهب إلى قصره فأراد أن يدخل سروراً على الملكة فأخرج السمكة أمامها فاستدارت السمكة وعضت أصبعه فلم يسترح ليلته ولم ينم فأحضر الأطباء فأشاروا بقطع أصبعه ولكنه لم يسترح بعدها لأن السم كان قد تسرب إلى يده فأشاروا بقطع يده ولكنه لم يسترح أيضاً بل أخذ يصرخ ويستغيث فأشاروا بقطع ذراعه فاستراح من الآلام الجسدية ولم تهدأ نفسه فعلم الأمر فأشاروا إليه أن يذهب إلى طبيب من أطباء القلوب (العلماء الحكماء) فذهب وأخبره قصة السمكة فقال له : لت تهدأ إلا إذا عفى عنك الصياد فبحث الملك عن الصياد حتى وجده وشكى إليه أمره واستحلفه أن يصفح عنه فعفا عنه وصفح فقال له الملك : ماذا قلت في ؟ فقال : ما قلت سوى كلمة واحدة :" اللهم إنه ظهر علي قوته فأرني فيد قدرتك ".


 ب – أمر أحد الظالمين المتكبرين أتباعه باقتياد امرأة مظلومة والقبض عليها لتعذيبها والسخرية منها ، فأمر بجرها فقالت له : اتق الله فلم يلتفت لها ، وإنما أمر باستمرار جرها ، ولم تزل تناشده الله أن يتركها ويتقي الله فيها ، وهو يأمر بجرها ، فلما يئست من نفسها ، رفعت رأسها إلى السماء ثم قالت : قل اللهم فاطر السموات والأرض عالم الغيب والشهادة أنت تحكم بين عبادك فيما كانوا فيه يختلفون  اللهم إن كان هذا الرجل يظلمني فخذه ، فوقع الرجل في نفس اللحظة على ظهره ميتاً !! وحمل على جنازة وانصرفت المرأة سالمة

عاقبة الظلم







[15] قصة أصحاب الأخدود :


حدثنا هداب بن خالد حدثنا حماد بن سلمة حدثنا ثابت عن عبد الرحمن بن أبي ليلى عن صهيب أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال كان ملك فيمن كان قبلكم وكان له ساحر فلما كبر قال للملك إني قد كبرت فابعث إلي غلاما أعلمه السحر فبعث إليه غلاما يعلمه فكان في طريقه إذا سلك راهب فقعد إليه وسمع كلامه فأعجبه فكان إذا أتى الساحر مر بالراهب وقعد إليه فإذا أتى الساحر ضربه فشكا ذلك إلى الراهب فقال إذا خشيت الساحر فقل حبسني أهلي وإذا خشيت أهلك فقل حبسني الساحر فبينما هو كذلك إذ أتى على دابة عظيمة قد حبست الناس فقال اليوم أعلم آلساحر أفضل أم الراهب أفضل فأخذ حجرا فقال اللهم إن كان أمر الراهب أحب إليك من أمر الساحر فاقتل هذه الدابة حتى يمضي الناس فرماها فقتلها ومضى الناس فأتى الراهب فأخبره فقال له الراهب أي بني أنت اليوم أفضل مني قد بلغ من أمرك ما أرى وإنك ستبتلى فإن ابتليت فلا تدل علي وكان الغلام يبرئ الأكمه والأبرص ويداوي الناس من سائر الأدواء فسمع جليس للملك كان قد عمي فأتاه بهدايا كثيرة فقال ما هاهنا لك أجمع إن أنت شفيتني فقال إني لا أشفي أحدا إنما يشفي الله فإن أنت آمنت بالله دعوت الله فشفاك فآمن بالله فشفاه الله فأتى الملك فجلس إليه كما كان يجلس فقال له الملك من رد عليك بصرك قال ربي قال ولك رب غيري قال ربي وربك الله فأخذه فلم يزل يعذبه حتى دل على الغلام فجيء بالغلام فقال له الملك أي بني قد بلغ من سحرك ما تبرئ الأكمه والأبرص وتفعل وتفعل فقال إني لا أشفي أحدا إنما يشفي الله فأخذه فلم يزل يعذبه حتى دل على الراهب فجيء بالراهب فقيل له ارجع عن دينك فأبى فدعا بالمئشار فوضع المئشار في مفرق رأسه فشقه حتى وقع شقاه ثم جيء بجليس الملك فقيل له ارجع عن دينك فأبى فوضع المئشار في مفرق رأسه فشقه به حتى وقع شقاه ثم جيء بالغلام فقيل له ارجع عن دينك فأبى فدفعه إلى نفر من أصحابه فقال اذهبوا به إلى جبل كذا وكذا فاصعدوا به الجبل فإذا بلغتم ذروته فإن رجع عن دينه وإلا فاطرحوه فذهبوا به فصعدوا به الجبل فقال اللهم اكفنيهم بما شئت فرجف بهم الجبل فسقطوا وجاء يمشي إلى الملك فقال له الملك ما فعل أصحابك قال كفانيهم الله فدفعه إلى نفر من أصحابه فقال اذهبوا به فاحملوه في قرقور فتوسطوا به البحر فإن رجع عن دينه وإلا فاقذفوه فذهبوا به فقال اللهم اكفنيهم بما شئت فانكفأت بهم السفينة فغرقوا وجاء يمشي إلى الملك فقال له الملك ما فعل أصحابك قال كفانيهم الله فقال للملك إنك لست بقاتلي حتى تفعل ما آمرك به قال وما هو قال تجمع الناس في صعيد واحد وتصلبني على جذع ثم خذ سهما من كنانتي ثم ضع السهم في كبد القوس ثم قل باسم الله رب الغلام ثم ارمني فإنك إذا فعلت ذلك قتلتني فجمع الناس في صعيد واحد وصلبه على جذع ثم أخذ سهما من كنانته ثم وضع السهم في كبد القوس ثم قال باسم الله رب الغلام ثم رماه فوقع السهم في صدغه فوضع يده في صدغه في موضع السهم فمات فقال الناس آمنا برب الغلام آمنا برب الغلام آمنا برب الغلام فأتي الملك فقيل له أرأيت ما كنت تحذر قد والله نزل بك حذرك قد آمن الناس فأمر بالأخدود في أفواه السكك فخدت وأضرم النيران وقال من لم يرجع عن دينه فأحموه فيها أو قيل له اقتحم ففعلوا حتى جاءت امرأة ومعها صبي لها فتقاعست أن تقع فيها فقال لها الغلام يا أمه اصبري فإنك على الحق

قصة أصحاب الأخدود






[14] الدعاء بصالح الأعمال :


وعن أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن الخطاب رضي الله عنهما قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : انطلق ثلاثة نفر ممن كان قبلكم حتى آواهم المبيت إلى غار فدخلوه ، فانحدرت صخرة من الجبل فسدت عليهم الغار فقالوا إنه لا ينجيكم من هذه الصخرة إلا أن تدعوا الله تعالى بصالح أعمالكم ، قال رجل منهم اللهم كان لي أبوان شيخان كبيران وكنت لا أغبق قبلهما أهلاً ولا مالاً فنأى بي طلب الشجر يوماً فلم أرح عليهما حتى ناما فحلبت لهما غبوقهما فوجدتهما نائمين ، فكرهت أن أوقظهما وأن أغبق قبلهما أهلا أو مالا فلبثت والقدح على يدي أنتظر استيقاظهما حتى برق الفجر والصبية يتضاغون عند قدمي فاستيقظا فشربا غبوقهما ، اللهم إن كنت فعلت ذلك ابتغاء وجهك ففرج عنا ما نحن فيه من هذه الصخرة فانفرجت شيئا لا يستطيعون الخروج منه قال الآخر اللهم إنه كانت لي ابنة عم كانت أحب الناس إلي وفي رواية : كنت أحبها كأشد ما يحب الرجال النساء فأردتها على نفسها فامتنعت مني حتى ألمت بها سنة من السنين فجاءتني فأعطيتها عشرين ومائة دينار على أن تخلي بيني وبين نفسها ففعلت ، حتى إذا قدرت عليها وفي رواية فلما قعدت بين رجليها قالت اتق الله ولا تفض الخاتم إلا بحقه ، فانصرفت عنها وهى أحب الناس إلي وتركت الذهب الذي أعطيتها اللهم إن كنت فعلت ذلك ابتغاء وجهك فافرج عنا ما نحن فيه ، فانفرجت الصخرة غير أنهم لا يستطيعون الخروج منها وقال الثالث اللهم استأجرت أجراء وأعطيتهم أجرهم غير رجل واحد ترك الذي له وذهب فثمرت أجره حتى كثرت منه الأموال فجاءني بعد حين فقال يا عبد الله أد إلي أجري ، فقلت كل ما ترى من أجرك من الإبل والبقر والغنم والرقيق فقال يا عبد الله لا تستهزئ بي فقلت لا أستهزئ بك ، فأخذه كله فاستاقه فلم يترك منه شيئاً اللهم إن كنت فعلت ذلك ابتغاء وجهك فافرج عنا ما نحن فيه فانفرجت الصخرة فخرجوا يمشون 
متفق عليه .


الدعاء بصالح الأعمال






[13] قصة التائب قاتل المائة :


حدثنا محمد بن المثنى ومحمد بن بشار واللفظ لابن المثنى قالا حدثنا معاذ بن هشام حدثني أبي عن قتادة عن أبي الصديق عن أبي سعيد الخدري أن نبي الله صلى الله عليه وسلم قال كان فيمن كان قبلكم رجل قتل تسعة وتسعين نفسا فسأل عن أعلم أهل الأرض فدل على راهب فأتاه فقال إنه قتل تسعة وتسعين نفسا فهل له من توبة فقال لا فقتله فكمل به مائة ثم سأل عن أعلم أهل الأرض فدل على رجل عالم فقال إنه قتل مائة نفس فهل له من توبة فقال نعم ومن يحول بينه وبين التوبة انطلق إلى أرض كذا وكذا فإن بها أناسا يعبدون الله فاعبد الله معهم ولا ترجع إلى أرضك فإنها أرض سوء فانطلق حتى إذا نصف الطريق أتاه الموت فاختصمت فيه ملائكة الرحمة وملائكة العذاب فقالت ملائكة الرحمة جاء تائبا مقبلا بقلبه إلى الله وقالت ملائكة العذاب إنه لم يعمل خيرا قط فأتاهم ملك في صورة آدمي فجعلوه بينهم فقال قيسوا ما بين الأرضين فإلى أيتهما كان أدنى فهو له فقاسوه فوجدوه أدنى إلى الأرض التي أراد فقبضته ملائكة الرحمة قال قتادة فقال الحسن ذكر لنا أنه لما أتاه الموت نأى بصدره

قصة التائب قاتل المائة








[12] قصة الرسول وجبريل وميكائيل




أرى الله رسوله صلى الله عليه وسلم أنواعاً مما يعذب به بعض العصاة، ففي صحيح البخاري عن سمرة بن جندب قال: ((كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا صلى صلاة أقبل علينا بوجهه فقال: من رأى منكم الليلة رؤيا؟ قال: فإن رأى أحد قصها، فيقول ما شاء الله.
فسألنا يوماً فقال: هل رأى أحدكم منكم رؤيا؟ قلنا: لا، قال: لكني رأيت الليلة رجلين أتياني، فأخذا بيدي فأخرجاني إلى الأرض المقدسة، فإذا رجل جالس، ورجل قائم بيده كلوب من حديد – قال بعض أصحابنا عن موسى: كلوب من حديد يدخله في شدقه – حتى يبلغ قفاه، ثم يفعل بشدقه الآخر مثل ذلك، ويلتئم شدقه هذا، فيعود فيصنع مثله.
قلت: ما هذا؟ قالا: انطلق. فانطلقنا حتى أتينا على رجل مضطجع على قفاه، ورجل قائم على رأسه بفهر أو صخرة، فيشدخ به رأسه، فإذا ضربه تدهده الحجر، فانطلق إليه ليأخذه فلا يرجع إلى هذا حتى يلتئم رأسه وعاد رأسه كما هو، فعاد إليه فضربه.
قلت: من هذا؟ قالا: انطلق. فانطلقنا إلى ثقب مثل التنور أعلاه ضيق وأسفله واسع يتوقد تحته ناراً، فإذا اقترب ارتفعوا حتى كادوا أن يخرجوا، فإذا خمدت رجعوا فيها، وفيها رجال ونساء عراة.
فقلت: من هذا؟ قالا: انطلق. فانطلقنا حتى أتينا على نهر من دم، فيه رجل قائم، على وسط النهر رجل بين يديه حجارة – قال يزيد ووهب بن جرير عن جرير بن حازم: وعلى شط النهر رجل – فأقبل الرجل الذي في النهر، فإذا أراد أن يخرج رمى الرجل بحجر في فيه فرده حيث كان، فجعل كلما جاء ليخرج رمى في فيه بحجر فيرجع كما كان.
فقلت: من هذا؟ قالا: انطلق. فانطلقنا حتى انتهينا إلى روضة خضراء فيها شجرة عظيمة، وفي أصلها شيخ وصبيان، وإذا رجل قريب من الشجرة بين يديه نار يوقدها، فصعدا بي في الشجرة وأدخلاني داراً لم أر قط أحسن منها، فيها رجال شيوخ وشباب ونساء وصبيان، ثم أخرجاني منها فصعدا بي الشجرة فأدخلاني داراً هي أحسن وأفضل، فيها شيوخ وشباب.
قلت: طَوَّفتماني الليلة فأخبراني عما رأيتُ. قالا: نعم. أما الذي رأيته يُشَقُّ شِدْقُه فكذاب يحدّث بالكذبة فتحمل عنه حتى تبلغ الآفاق، فيصنع به ما رأيت إلى يوم القيامة، والذي رأيته يشدخ رأسه فرجل علمه الله القرآن، فنام عنه بالليل ولم يعمل فيه بالنهار، يُفعل به إلى يوم القيامة. والذي رأيته في الثقب فهم الزناة. والذي رأيته في النهر آكلوا الربا. والشيخ في أصل الشجرة إبراهيم عليه السلام، والصبيان حوله أولاد الناس. والذي يوقد النار مالك خازن النار. والدار الأولى التي دخلت عامة المؤمنين، وأما هذه الدار فدارُ الشهداء. وأنا جبريل، وهذا ميكائيل، فارفع رأسك. فرفعت رأسي فإذا فوقي مثل السحاب، قالا: ذاك منزلك. قلت: دعاني أدخل منزلي. قالا: إنه بقي لك عمر لم تستكمله، فلو استكملت أتيت منزلك))

قصة الرسول وجبريل وميكائيل






 
[11] يوم التوابين : 
 
 
ضاق المسجد الكبير على سعته بالحشد الكبير من المسلمين الذين تعلقت عيونهم في محبة وإكبار بمالك بن دينار ( وكان من كبار الزهاد العباد ) وقد جلس على مقعده في صمت عميق ثم رفع رأسه . فرأى الناس منظراً ما شاهدوه قط على فقيه العراق وإمام وواعظ مسجد الكوفة . فقد كانت عيناه مليئتان بالدموع . وقد بللت دموعه الصامتة لحيته إذ راعه هذا الحشد الذي جاء مستمعاً له اليوم بعدما أعلنهم بالأمس أنه سيحدثهم عن أمر ما لا يعرفوه وما يجب أن 
يعرفوه .. وبدأ الإمام مالك يتكلم وبدأ صوته يمس أعماق قلوب سامعيه ومحبيه حتى ظن أن الصوت قادم من بعبيد فحمد الله تعالى وصلى على نبيه (صلى الله عليه وسلم) ثم دعا لسامعيه وعارفيه بالخير والمغفرة لأنهم يحسنون به الظن وقال : قلت لكم بالأمس إني محدثكم في الغد بإذن الله عن هذا العبد الفقير إلى الله تعالى الذي تستمعون إليه عن مالك فإني أعلم من نفسي ما لا تعلمون وأنتم تحسنون بي الظن جزاكم الله خيراً . فقد كنت في شبابي شرطياً ظالماً وقد كلفت بالمحافظة على السوق فلم ينج من ظلمي أحد ولا من غلظتي فرد فكم من الناس اشتبكت معهم وآذيتهم يغفر الله لي ما تذكرتهم إلا وتقطعت نياط قلبي أسى على نفسي ولولا إيماني برحمة الله وفي رحمة الله لكنت اليوم غيري بكثير . ولم أترك يا إخواني من الموبقات شيئاً لم أفعله كنت أشرب الخمر وأضرب الناس وأتدخل فيما لا يعنيني من شئونهم حتى البيع والشراء وأناصر من يروقني حتى ولو كان ظالماً . وذات يوم كنت أسير في السوق فوجدت رجلين يختلفان على أمر بينهما واحد يشتري بضاعة والآخر يبيع له ويصر على أن يأخذ في بضاعته ثمناً معيناً والرجل الآخر يحاول أن يقلل منه . فنهرت المشتري وكدت أضربه بعصاي لولا أن شيئاً معيناً لا أعرفه منعني ونظرت إليه متأملاً فوجدته رجل أشيب الشعر على وجهه سمات الطيبين ممن الناس وأشار إلي بيده أن أتوقف قبل أن أحكم وعرض علي النزاع بينه وبين التاجر ، ولأول مرة في حياتي أنصت إلى شكاه وختم حديثه بأنه سمع حديثاً عن سيدنا رسول الله (صلى الله عليه وسلم) يقول فيه :" إذا ذهب أحدكم إلى السوق فاشترى أشياء تدخل المسرة على بناته نظر الله إليه " وأنا قادم من سفر وأردت قبل أن أذهب إلى بيتي شراء شيء يدخل المسرة على بناتي الثلاثة حتى ينظر الله إلي . ويقول مالك : وتأثرت من حديث الرجل واشتريت له البضاعة التي أرادها وأوصلته بها وتركته بعد أن سألته بالله أن يجعل بناته يدعون لي . ومرت الأيام ولا زال حديث الرجل معي يرن في أذني حتى رأيت جارية جميلة جداً تباع في السوق فوقعت في قلبي أجمل وقع وأحببتها فاشتريتها وتزوجتها وعشت معها أياماً سعيدة جداً أنستني فساد أمري وبدأت في الاستقامة خاصة عندما رزقنا الله بمولودة جميلة . ولكن لم تمض على وجود ابنتي أياماً حتى ماتت زوجتي وتركت ابنتنا يتيمة وعشت بعد ذلك سنتين لا أتزوج ولا هم لي غير العناية بابنتي التي صارت لي كل شيء في دنياي . وذات يوم عدت من عملي لأجد ابنتي تتألم وتتوجع وبحثت لها عن الدواء من خلال الأطباء ولكن أمر الله كان أبلغ وأسرع وضاعت ابنتي من على صدري وأخذت أضمها إلى قلبي ظناً مني أن الحياة ستدب فيها مرة أخرى أبللها بدموعي وأنادي عليها بحزن وبجزع قلبي ثم أسلمت أمري إلى الله وواريت وحيدتي التراب وهربت من نفسي ومن حياتي ومن واقعي إلى الألحان وأصبحت أعب الخمر وأعيش سكيراً كي لا أفيق إلى عالمي الحزين فأعرف ما فيه واشعر بفداحة مصيبتي ووحدتي . وعادت إلي غلظتي مع الناس والقسوة عليهم كأني أنتقم منهم وكأنهم هم الذين سلبوا مني امرأتي وابنتي وسعادتي حتى إني ذات يوم كنت أطوف بالسوق فرأيت امرأة تحمل قليلاً من الطعام فاغتصبته منها بالقوة ولم أهتم ببكائها أو صراخها ولا بعويل أطفالها الصغار . وذهبت ليلتها مبكراً إلى منزلي وكنا في النصف من شهر شعبان . ونمت نوماً عميقاً وبينما أنا على هذه الحالة إذ رأيت في عالم الرؤيا أن القيامة قد قامت ونفخ في الصور وحشرت الخلائق جميعاً وأنا معهم ثم سمعت صوتاً رهيباً مهولاً فالتفت فإذا بتنين (ثعبان) عظيم أسود أزرق فاتح فمه يتطاير الشرر من عينيه وهجم علي هذا التنين بشراسة فمررت بين يديه هارباً فزعاً حتى التقيت بشيخ ضعيف عاجز فهتفت به أنقذني وأجرني من هذا التنين أجارك الله فبكى إلي وشكى الضعف الذي هو فيه ثم قال أسرع لعل الله يقيض لك ما ينجيك منه فوليت هارباً مسرعاً على وجهي إلى أن صعدت على شرف وحافة ونهاية القيامة فأشرفت على طبقات النار فكدت أهوي فيها من فزعي والتنين من ورائي يلاحقني فصاح صائح ارجع فلست من أهلها . فرجعت من فزعي والتنين في طلبي فأتيت الشيخ أطلب منه الرحمة مرة ثانية فاشتكى إلي ضعفه تجاه الوحش الرهيب ثم قال
سر إلى هذا الجبل فإن فيه ودائع المسلمين فإن كان لك وديعة فتنصرك . فنظرت إلى جبل مستنير من فضة وستور معلقة على كل مكان مصراعات من ذهب أحمر يتوهج وعلى كل مصراع ستر من حرير يخطف جماله البصر فهرولت إليه والتنين من ورائي حتى إذا قربت منه صاح بعض الملائكة ارفعوا الستور وافتحوا المصاريع ثم رأيت أطفالاً كالأقمار واقترب التنين مني فاحترت في أمري فصاح بعض الأطفال ويحكم أشرفوا جميعاً فقد قرب منه عدوه فقدموا وفداً بعد وفد وإذا أنا بابنتي التي ماتت فنظرت إلي وبكت وقالت : أبي والله ، ثم وثبت في كفة من نور كرمية السهم حتى صارت عندي ومدت يدها الشمال إلى يدي اليمين وتعلقت بها ومدت يدها اليمنى إلى التنين فولى هارباً وأجلستني وقد بلغ الإعياء والتعب مني منتاه واحتضنتها إلى قلبي وقبلتها والدموع في عيني كأني أخشى أن أفقدها مرة أخرى ورفعت يدها إلى لحيتي وأخذت تداعبها ونظرت إلي بعينيها الجميلتين في حنان وحب خالص وقالت لي يا أبت : ألم يأن للذين آمنوا أن تخشع قلوبهم لذكر الله وما نزل من الحق  فبكيت لما سمعت هذه الآية بكاء ما بعده بكاء أول مرة أسمعها وقلت لها : وأنتم تعرفون القرآن قالت : نحن أعرف به منكم ، قلت : فأخبريني عن التنين الذي أراد أن يهلكني قالت : ذلك عملك الشيء الشرير قويته فانقلب عليك يريدك في نار الجحيم قلت : والشيخ ؟ العجوز قالت : ذلك عملك الصالح أضعفته فلم يتمكن من نجدتك قلت : يا بنتي ماذا تفعلون في هذا الجبل قالت : أطفال المسلمين أسكنوا فيه إلى قيام الساعة ننتظركم تقدمون علينا فنشفع لكم . ففزعت فزعة شديدة قمت على إثرها من
نومي والعرق يبللني كأنه مطر غزير أغرقني وأمسكت بعصاي فكسرت آلات الطرب وزجاجات الخمر وهتفت في قلبي إلى الله تائباً ولزمت الفراش بعدها أياماً لا أقوى على الحركة وظللت في هذه الفترة أستغفر الله وأتوب إليه وأسأله الرحمة وعرفت من يومها أن أخلص النية في سلوك طريق الله وكنت أعبد الله في الأيام الأولى لتوبتي بخوف شديد إذ1 أتمثل في معظم أوقاتي التنين مجسماً أمامي يريد أن يفترسني … وفي هذا الجو المليء بالخوف والرعب حبست نفسي عن الناس ومرت بنا أزمة شديدة إذ منع سقوط المطر فبدأنا ندعو الله ومع ذلك لم تهطل الأمطار فجف الزرع وأخذنا الظمأ حتى كان ذات يوم بقيت في المصلى أدعو الله بعد أن انفض الناس ولم يبق سواي إذا برجل أسود دقيق الساقين عظيم البطن يدخل فصلى ركعتين ثم رفع رأسه إلى السماء وقال : سيدي إلى كم يرد عبادك فيما لا ينقصك أنفذ ما عندك أقسمت عليك بحبك لي إلا أسقنا الساعة (الآن) فما كان ينتهي من دعائه حتى أمطرت السماء كأفواه القرب وهم الرجل بالانصراف فتعرضت له وقلت : أما تستحي أن تقول بحبك لي وما يدريك أنه يحبك قال لي : يا من اشتغل عنه بنفسه أين أنا كنت حينما اختصني بتوحيده دون غيري أتراه بدأني بذلك إلا لمحبته لي ، ألا تعلم أن الله تعالى واسع المغفرة عظيم المحبة لعباده ، ألم تسمع قوله تعالى : هو الذي يصلي عليكم وملائكته ليخرجكم من الظلمات إلى النور وكان بالمؤمنين رحيماً  وتركني وأنا في حالة من الذهول ومن يومها وأنا أقبل على الله دون أن أحس بالتنين… وصمت مالك بن دينار فترة ثم قال في قوة وخشوع : أيها الناس إن الله رحيم فأبشروا بالرحمة وبشروا الناس إن الله يحبكم حباً لو تعلمونه آه لو تعلمونه ما عصيتموه . أتحبون الله أيها الناس … إذن فاعلموا أن علامة محبة الله مداومة ذكره لأن من أحب شيئاً أكثر من ذكره ومن لم يأنس بمحادثة الله عن محادثة المخلوق فقد قل علمه وضيع عمره . توبوا إلى الله عباد الله ، وانتفض مالك قائماً فهب معه الناس قياماً يرددون التوبة الصادقة مع الله وإلى الله وحتى سمى هذا اليوم وقتذاك " بيوم التوابين ".

يوم التوابين